بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين .
أما بعد فهذا تلخيص لما ورد من كلام أهل العلم في مسالة تفطير الحجامة للصائم . فأقول :
إن العلماء رحمهم الله تعالى اختلفوا في تأثير الحجامة على الصائم بالفطر سواء كان حاجماً أو محجوماً ، وهم في الجملة على قولين متناقضين :
القول الأول : قول جمهور أهل العلم من الحنفية والمالكية والشافعية والظاهرية وهو قول جماعة من الصحابة منهم أبو هريرة وأبو سعيد وابن عباس وأنس وعائشة رضي الله عنهم على خلاف في نسبة القول إلى بعضهم . أن الحجامة لا تفطر الحاجم ولا المحجوم .
وهذا القول لا ينفي كراهة بعضهم للحجامة نهاراً لأن الكراهة قد تكون خروجاً من الخلاف أو مراعاة له أو خشية أن تؤول الحجامة إلى ضعف يوجب فطره .
أدلة هذا القول : 1- البراءة الأصلية . إذا الأصل صحة صيام من حجم أو احتجم ، ولم يرد حديث صحيح صريح محكم في إفساد الصوم بالحجامة . يؤيده أن القياس - بمعنى القاعدة المطردة - في باب الصيام أن الفطر يكون مما دخل لا مما خرج ، ويؤيده استصحاب الإجماع على أن الإعانة على ما يوجب الفطر لا تكون مفطرة للمُعين كما لو أُتِي صائم بماء فأفطر بشربه فلا يحكم بفطر من أتى له به .
2- ما رواه البخاري في صحيحه من حديث عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم واحتجم وهو محرم . وفي لفظ آخر عند البخاري : احتجم النبي صلى الله عليه وسلم وهو صائم . فدل الحديث بظاهره على عدم تأثير الحجامة على الصوم .
3- استدلوا بما أخرجه أحمد وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وغيرهم بإسناد صحيح عبد الرحمن بن أبي ليلى عن بعض أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قال :"إنما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الوصال في الصيام والحجامة للصائم إبقاءً على أصحابه ولم يحرمها" قال النووي :"رواه أبو داود بإسناد على شرط البخاري ومسلم" . فدل بمنطوقه على أن النهي للكراهة ، ودل أيضا على العلة من النهي .
4- وبما أخرجه البخاري من حديث ثابت البناني قال سئل أنس رضي الله عنه : أكنتم تكرهون الحجامة للصائم ؟ قال : لا ؛ إلا من أجل الضعف" وزاد في رواية "على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم " . وعلماء القواعد يقولون : السؤالُ مُعادٌ في الجواب ، وعليه فكأنه قال : لا نكره الحجامة للصائم على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم إلا من أجل الضعف . وهذا وإن كان لفظه موقوفاً على الصحابي لكن له حكم الرفع .
5- واستدلوا أيضاً بالقياس على الجرح والفصد في أن كلاً منهما خروج دم لا يوجب الفطر .
القول الثاني : قول الحنابلة ووافقهم إسحاق بن راهوية وابن خزيمة وابن المنذر وابن هبيرة ، وعُزي لبعض الصحابة رضي الله عنهم وهو أن الحجامة تفطر الحاجم والمحجوم .
أدلة هذا القول : 1- استدلوا بظاهر قول النبي صلى الله عليه وسلم "أفطر الحاجم والمحجوم" رواه بضعة عشر من الصحابة منهم ثوبان وشداد بن أوس وأبو موسى ومعقل بن سنان وأسامة بن زيد وعلي وعائشة و أبو هريرة رضي الله عنهم .
وصحح حديثَ شداد وثوبان علي بن المديني وأحمد بن حنبل والبخاري ، وقال أحمد عن حديث رافع : إسناده جيد ، وصحح ابنُ المديني حديثَ أبي موسى .
وعدّ بعض أهل العلم هذا الحديث من المتواتر . ويُبنى عليه أنه لا ينسخه إلا متواتر مثله في قولٍ .
2- استدلوا أيضا بقول بعض الصحابة وفعلهم كعلي وابن عباس وأبي موسى رضي الله عنهم .
3- واستدلوا بالقياس على القيء فإنه مفطر - إذا استقاء - ، والجامع أن كلا منها خروج يؤثر ضعفاً في الصائم فأوجب فطره .
جواب أصحاب القول الأول عن أدلة القول الثاني :
أولاً : أجاب أصحاب القول الأول على الاستدلال بظاهر الحديث المشهور "أفطر الحاجم والمحجوم" من جهتين : أ/ من جهة الثبوت . ب/ ومن جهة الدلالة .
أ /أما من جهة ثبوته . فقد ضعف الحديث وأعله بالاضطراب جماعة من العلماء ؛ كما قاله وأشار إليه الشافعي ويحيى بن معين والزيلعي .
ثم على القول بثبوته وصحته فإن دعوى تواتره غير مقبولة لأمرين : 1/أن أكثر طرق الحديث معلة ، وقد قال جماعة باشتراط عدالة ناقل خبر الآحاد وثبوت روايته ، خلافاً للأكثر القائلين بعدم اشتراط عدالة الناقل فيجوز أن يكون نقلة الخبر المتواتر كفاراً أو فساقاً قال صاحب المراقي :
|
واقطع بصدق خبر التوتر
|
|
وسوِّ بين مسلم وكافر
|
2/ أن شرطاً آخرَ من الشروط المعتبرة في التواتر لم يُدّعَّ وجودُه ، وهو وجود هذه الكثرة في جميع طبقات السند ، وهذا الشرط لم يراع عند أكثر من صنف في الأحاديث المتواترة ، غاية ما يكون إثبات نسبة رواية عدد كثير من الصحابة لحديث معين دون النظر في الطبقات بعدهم . ومن المشهور أن أكثر السنة دارت في طبقات متعددة على رواة معينين ، وإليه أشار علي بن المديني في كلامه المشهور أن الإسناد يدور على ستة .... إلى آخر كلامه .
ب /وأما من جهة الدلالة . فإن الجمهور القائلين بعدم تأثير الحجامة بالفطر للصائم سلكوا نحو حديث "أفطر الحاجم والمحجوم" ثلاثة مسالك .
أولها : مسلك النسخ ذلك أن حكم تأثير الحجامة على الصائم المستدل به من ظاهر حديث "أفطر الحاجم والمحجوم" منسوخ بحديث ابن عباس ب . وتقريره : من جهة الزمان والتاريخ ، ومن جهة إخبار الصحابي ؛ فقد ورد في بعض روايات حديث "أفطر الحاجم والمحجوم" أنه كان عام الفتح ، وحديث ابن عباس ب كان في حجة الوداع ، وأيضا يدل على النسخ ما رواه الدارقطني وابن حزم من حديث أبي سعيد ط قال :"أرخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحجامة للصائم" قال الدارقطني عن رجال إسناده :"كلهم ثقات" ثم ذكر أن بعضهم يرويه موقوفاً ، وصححه ابن حزم ورَدَّ القولَ بتعليله برواية الوقف .
وورد موقوفاً بلفظ "رُخِّص للصائم في الحجامة والقبلة" والظاهر أنه مرفوع حكماً .
فلفظ "أرخص" أو "رَخّص" يدل غالباً على ثبوت عزيمة قبله ، والعزيمة ههنا هي الحكم بالفطر ، فرُفعت العزيمة بحكم نقيضها وهو عدم الفطر .
ويؤيده أيضاً ما أخرجه الدارقطني من حديث خالد بن مخلد عن عبد الله بن المثنى عن ثابت عن أنس قال : أول ما كرهت الحجامة للصائم أن جعفر بن أبي طالب احتجم وهو صائم . فمر به النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أفطر هذان ثم رخص النبي صلى الله عليه وسلم بعدُ في الحجامة للصائم . قال الدارقطني : رجاله ثقات ولا أعلم له علة .
أما منع نسخ حديث "أفطر الحاجم والمحجوم" لكونه خبراً متواتراً والأحاديث الدالة على نقيضه آحاد ؛ فبعد التسليم جدلاً بكونه متواتراً فإن القول الراجح جواز نسخ المتواتر من السنة بالآحاد منها كما قاله جماعة من الأصوليين ، وشاهدُه ثبوتُ النسخ عند أهل قباء في مسألة تحويل القبلة بخبر الآحاد ، وقد ثبتت القبلة الأولى عندهم بالتواتر .
ثاني المسالك : مسلك الجمع . وتقريره أن يقال : إن اللفظ في حديث "أفطر الحاجم والمحجوم" عام أُريد به الخصوص . وهما رجلان كانا يغتابان كما سيأتي أو جعفر بن أبي طالب وحاجمه كما مرّ . وعليه فلا تعارض بينه وبين الأدلة العامة . وهذا المسلك يؤول إلى مسلك الترجيح الآتي لأن الأصوليين يذكرون أن العام الذي أريد به الخصوص مجازٌ اتفاقاً .
أو يقال : إن حديث "أفطر الحاجم والمحجوم" جاء بسبب معين فهو قضية عين لا عموم لها . وعليه فلا تعارض بينه وبين الأدلة الدالة على عدم تفطير الحجامة للصائم .
آخر المسالك : مسلك الترجيح وهو على صور منها :
1- أن حديث ابن عباس أصح لإخراجه في الصحيح وموافقته القياس – أي القاعدة المطردة – . بخلاف حديث أفطر الحاجم والمحجوم ففي كثير من طرقه اضطراب مع معارضته القياس .
2- أن المراد بقوله أفطر الحاجم والمحجوم ذهاب أجرهما ذلك لما جاء في بعض طرق الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على رجلين يحجم أحدهما الآخر فاغتاب أحدهما ولم ينكر عليه الآخر فقال : أفطر الحاجم والمحجوم . وهذا كما جاء في الحديث عند ابن أبي شيبة وأبي يعلى أن رجلاً تكلم والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب فقال له صاحبه : لا جمعة لك . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : صدق . ولم يأمره بالإعادة .
3- أن المراد بقوله أفطر الحاجم والمحجوم على وجه المقاربة أي قاربا الإفطار ؛ أما المحجوم فقد يضعف فيفطر وأما الحاجم فقد يصل إلى جوفه شيء من الدم حين مصه . مثاله أن يقال للرجل الذي يتعرض للهلاك : هلكت . وإن كان سالماً . وهو من المجاز كسابقه .
4- أن حديث أفطر الحاجم والمحجوم قاله النبي صلى الله عليه وسلم على وجه التغليظ ولم يرد ظاهره ، كقوله فيمن من صام الدهر : لا صام ولا أفطر . وهو راجع إلى الثاني .
5- أن حديث أفطر الحاجم والمحجوم قاله النبي صلى الله عليه وسلم حين مر بهما وقت المغرب ، معناه أنهما أمسيا ودخلا في وقت الإفطار . كما يقال : أمسى الرجل إذا دخل في وقت المساء . قال الخطابي بعد ذكره هذا لمعنى : وأحسبه قد روي في بعض الحديث . وقريب منه ما قاله بعض العلماء أن معنى أفطر الحاجم والمحجوم أي حان لهما في الفطر كما يقال : أَقْطَفَ العنبُ أي حان له أن يقطف ، وأحْصَدَ الزرعُ إذا حان وقت حصاده ، وأركب المهرُ أي حان وقت ركوبه .
ثانياً : استدلالهم بقول بعض الصحابة وفعلهم يجاب بأمور منها : 1- أن الوارد عن بعض من ذكروه الكراهة فقط وعن بعضهم احتجامه بالليل ولا يدل كل منها على أن مذهبه أن الحجامة مفطر للحاجم والمحجوم .
ثم إن الرواية مختلفة عن بعض من نُسب إليه القول بحكم تفطير الحجامة كابن عباس ب .
ثم إن الاحتجاج بقولهم وفعلهم مبني على مسألة مشهورة وهي الاحتجاج بقول الصحابي فهو استدلال بدليل مختلف في الاحتجاج به .
وعلى فرض التسليم بحجية قول الصحابي فشرطه أن لا يُعارض بقول صحابي آخر لأن قول أحدهما ليس بأولى ولا حجة على قول غيره . وقد خالفهم جماعة من الصحابة فقالوا بعدم تأثير الحجامة على الصائم ، وهم فيما يظهر أكثر من جهة العدد .
ثالثاً : أما استدلالهم بالقياس على القيء فإنه قياس فاسد الاعتبار لمخالفته النص الوارد في عدم تأثير الحجامة على الصائم . وأيضا فلو تردد النظر بين أصلين مختلفي الحكم يقاس عليهما وأردنا الترجيح بينهما لزم الأخذ بالأصل الأقرب والأكثر شبهاً بالفرع وعليه فإن القياس على الجرح والفصد أقرب وأشبه من القياس على القيء .
جواب أصحاب القول الثاني عن أدلة القول الأول :
أولاً : أجاب أصحاب القول الثاني عن استدلال أصحاب القول الأول بالبراءة الأصلية بزوالها والانتقال عنها بدليل صحيح صريح . أما كون القياس في باب الصيام أن الفطر فيه بما دخل لا بما خرج ينقضه الفطر خروج المني والقيء .
ثانياً : أجابوا عن الاستدلال بحديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم . من جهتين : أ /من جهة الثبوت . ب / ومن جهة الدلالة .
أ / أما من جهة الثبوت : فقد أنكر يحيى بن سعيد القطان وأحمد بن حنبل ذكر الصيام في خبر احتجامه صلى الله عليه وسلم حال إحرامه .
ب / وأما جهة الدلالة : فقد سلك أصحاب القول الثاني مسلكين نحو الاستدلال بحديث ابن عباس ب .
أولهما : مسلك النسخ . بدليل ما روى أبو يعلى والطبراني من حديث حفص بن أبي داود عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عطاء عن ابن عباس ب أنه قال : احتجم رسول الله بالقاحة بقرن وناب فوجد لذلك ضعفا شديداً فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحتجم الصائم . ونحوه من حديث الحكم عن مقسم عن ابن عباس ب عند الطبراني .
ثانيهما : مسلك الترجيح . وهو على صور منها :
1- أن حديث أفطر الحاجم والمحجوم أصح من الأحاديث الواردة في عدم تفطير الحجامة للصائم ، وأيضاً فإنها متواترة - عند بعض العلماء - فهي مقدمة على الآحاد.
2- أن حديث أفطر الحاجم والمحجوم دلالته قوليه ، ودلالة حديث ابن عباس فعلية . وإذا تعارض القول والفعل قُدِّم القول لعموم القول وللاحتمال الوارد على الفعل .
3- أن حديث ابن عباس في احتجام النبي صلى الله عليه وسلم وهو صائم موافق للبراءة الأصلية ، وحديث أفطر الحاجم والمحجوم ناقل عنها . وعليه فالناقل مقدم على الباقي على الأصل .
4- أن احتجام النبي صلى الله عليه وسلم وهو صائم وقع منه وهو محرم أي أنه حال سفره وقد كانت عُمَرُه في غير رمضان فالصيام صيام نفل لا فرض ، والصائم المتنفل يجوز له الإفطار بالأكل والشرب والحجامة ؛ فلا يدل الحديث على ثبوت وصف الصيام له بعد الحجامة .
ثالثـاً : لم أجد لأصحاب القول الثاني جواباً عن الاستدلال بالدليل الثالث والرابع إلا أن يقال أنه قول صحابي لا يأخذ حكم الرفع ، ولا حجة فيه .
رابعاً : أجابوا عن الاستدلال بالقياس على الفصد أنه من المختلف فيه ، وقد ذهب فريقٌ من أصحاب القول الثاني إلى أن الفصد والتشريط مفطران كالحجامة . ثم على القول بأن الجرح والفصد لا يفطران فإن القياس فاسد الاعتبار لمخالفته ظاهر قوله صلى الله عليه وسلم أفطر الحاجم والمحجوم .
أهم المراجع التي بحثت المسألة بتوسع أو تحرير:
الاستذكار لابن عبد البر ، والأم للشافعي ، والبدر المنير لابن الملقن ، وتنقيح التحقيق لابن عبد الهادي ، وتهذيب سنن أبي داود لابن القيم ، والسنن الكبرى للبيهقي ، وشرح السنة للبغوي ، وشرح فتح القدير لابن الهمام الحنفي ، وشرح معاني الآثار للطحاوي ، وصحيح ابن خزيمة ، وعمدة القاري للعيني ، وفتح الباري لابن حجر ، ومجموع فتاوى ابن تيمية ، والمجموع للنووي ، والمحلى لابن حزم ، ومعالم السنن للخطابي ، والمغني لابن قدامة ، ونيل الأوطار للشوطاني .
كتبه / حسين بن عبد العزيز باناجه
:
www.alwsat.net