إن التجديد هو روح الحياة وصورة من صور بقائها ، ومظهر من مظاهر الكون نجده في النفس وفي الحياة وفي الآفاق وفي الطبيعة فخلايا الإنسان تتجدد ، وأفكار الناس تتغير ، وملامحهم يعتريها التبديل ... والإنسان منذ بداية الخلق وهو ينتقل من طور إلى طور كما قال تعالى : " وقد خلقكم أطوارا" .
والليل والنهار يتعاقبان ، والشمس والقمر يجريان ، والفصول الأربعة تتناوب ..
تجديد الأنبيـاء :
وقد قام الرسل والأنبياء بتجديد الدين في حياة الإنسان فأعادوهم إلى رحاب الإيمان والتوحيد بعد أن شردوا في أودية الجاهلية والكفر .
وهكذا لما أظلمت الدنيا بالجاهلية والضلال جاء النبي صلى الله عليه وسلم ليقوم بدور التجديد فأعاد الناس إلى ملة إبراهيم الصحيحة وواجه الواقع المنحرف ليستقيم مع المنهج الرباني ، وبوفاته صلى الله عليه وسلم انقطع تجديد الأنبياء لأنه عليه الصلاة والسلام هو آخر الأنبياء فشاء الله تعالى أن يبعث من أمته رجالا يجددون الدين في حياة الناس لأن الغالب على الناس أنهم يتغيرون فكريا وسلوكيا وينغمسون في الطرق الضالة خلال قرن كامل فجاء الوعد الرباني على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم " إن الله يبعث لهذه الأمة كل مئة سنة من يجدد لها أمر دينها " والحديث رواه أبو داود والبيهقي والحاكم وأحمد والطبراني في الأوسط .1
وقال العراقي : " سنده صحيح " وصححه ابن حجر والحاكم والبيهقي في المدخل ، وقال السيوطي : اتفق الحفاظ على تصحيحه .2
إن القيم والأخلاق والأفكار تتضاءل بمرور الأيام ، وتعاقب الليل والنهار فلهذا جاءت الضمانة الإلهية بالتجديد .
وقفات عند معنى الحديث :
هذا الحديث يمثل الأصل في فقه التجديد ويحتاج إلى وقفة عميقة في دلالته ، وذلك على النحو التالي :
(1) البعث يطلق على الإرسال كما في قوله تعالى :" فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة " كما يطلق على الإقامة والتنصيب كما في قوله تعالى : " عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا " أي يقيمك .
وهذا الأخير هو الأقرب هنا -كما رجحه ابن عاشور - فالله تعالى يقيم من هذه الأمة من يجدد للناس دينهم فالبعث بعث تكويني قدري كما في قوله تعالى : " بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد " .
(2) قوله : " من يجدد " اسم الموصول فيه عموم صالح للواحد والطائفة كما يدل عليه اللغة فقد يكون المجدد واحدا وقد يكون عددا من الناس كما رجحه ابن الأثير وابن حجر3 ، وكما هو عام في الأفراد فهو عام في الصفات كما رجحه ابن عاشور4 يشمل الفقيه والمحدث والمفسر والحاكم والمعلم .. وهو عام أيضا في المذاهب فليس محصورا على مذهب دون آخر ، ولهذا لم يصب التاج السبكي و السيوطي رحمهم الله لما حصروا المجددين في فقهاء المذهب الشافعي واحتكروا فضل الله تعالى على علماء الشافعية .
والتجديد هو أمر اجتهادي مداره على غلبة الظن وقد دخلته العصبية والميل إلى المذاهب ، والمعيار هو أن يكون للمجدد جهد وعمل يثمر يقظة في المسلمين وعودة إلى الدين الذي بعث به خير المرسلين .
(3) وتجديد الشيء هو إعادته إلى حالة الجدة أي الحالة الأولى التي كان فيها جديدا لم تلحقه الشوائب ، فالمصلح يرده جديدا كما كان في تاريخه الأول .
وليس معنى التجديد أن يخترع لهم دينا جديدا لم يكون موجوداً قبل ذلك فإن الدين محفوظ بحفظ الله تعالى " إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون " وجاء في الصحيح : " لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين " .
ولكن فهم الناس للدين وتعاملهم معه هو الذي يطرأ عليه التغيير والانحراف ، وهو محل التجديد .
قال العلقمي : " معنى التجديد إحياء ما اندرس من العمل بالكتاب والسنة والأمر بمقتضاهما " 5
(4) الرأس في اللغة هو أول الشيء وبدايته فرأس المائة هو أولها ، وقد يطلق على الآخر -كما أورده في تاج العروس- ورأس الآية آخرها ، وتسميته رأسا مجاز باعتبار أنه مبدأ سنة أخرى ، ويأتي بمعنى الطرف .
ولكن النظر يتعلق في ابتداء العدّ ومبدأ الحساب للمائة ، هل يكون من وقت صدور هذا الحديث ، أو من وقت وفاته صلى الله عليه وسلم أو من وقت الهجرة أو من وقت التاريخ الهجري الذي حدده عمر بن الخطاب والصحابة رضي الله عنهم أو المراد آخر المائة كما قال الطيبي وصاحب مجمع البحار6 وهو حديث قاله صلى الله عليه وسلم في آخر حياته قيل سنة عشر .
أما الأول فيشبه الحديث الآخر : " أرأيتكم ليلتكم هذه فإن رأس مئة رأس لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد " رواه البخاري .
أي مئة سنة من تلك الليلة كما يدل عليه لفظ الحديث ، والمراد منتهاه .
ولكن يعترض على هذا العدّ أن وجوده صلى الله عليه وسلم وحياته بين المسلمين وقاية للدين من الرثاثة والتخلق فلا يحتاج الناس في حياته إلى التجديد أصلا.
ويعترض على الرابع بأنه تاريخ وقع تحديده بالاصطلاح متأخرا عن الحديث فلا يحمل عليه .
ويؤيد الأخير أن الزهري وأحمد جعلوا عمر بن عبد العزيز على رأس المائة الأولى وقد توفي عام 101 هـ ، وجعلوا الشافعي في المائة الثانية وقد توفي عام 204 هـ .
وقد أثار العلامة ابن عاشور هذه الاحتمالات في كتابه القيم ( تحقيقات وأنظار في القرآن والسنة ) .
وهذا كله يدفعنا إلى ترك الجزم بتعيين المجددين ، والقطع بأنه فلان أو فلان ...وإنما هو أمر قائم على الاجتهاد والظن .
(5) والقيد بالمائة قيد احترازي وليس قيدا اتفاقيا كما جنح إليه بعض شرّاح الحديث7 والملاحظ في أوضاع المجتمعات أنها – غالبا - تتغير في أفكارها وسلوكها خلال قرن من الزمان تقريبا ، ولهذا ربط ظهور التجديد بهذه المدّة الزمنية . والله أعلم وأحكم .
الهوامشــــــــــــــــــ
1- الأوسط 6-324
2- عون المعبود 11-267
7- عون المعبود 11-260.
:
www.alwsat.net